الملا فتح الله الكاشاني
421
زبدة التفاسير
ثمّ نبّه على مقتضى الجهاد والداعي إليه بقوله : * ( هُوَ اجْتَباكُمْ ) * اختاركم لدينه ولنصرته * ( وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) * أي : ضيق بتكليف ما يشتدّ القيام به عليكم . وفيه إشارة إلى أنّ التكليف بالجهاد حيث شقّ عليهم لا مانع لهم عنه ، ولا عذر لهم في تركه أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به ، لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » . وقيل : عدم الحرج بأن جعل اللَّه تعالى لهم من كلّ ذنب مخرجا ، بأن رخّص لهم عند الضرورات ، كالتيمّم والقصر وأكل الميتة وغير ذلك ، وفتح عليهم باب التوبة ، وشرع لهم الكفّارات في حقوقه ، والأروش والديات في حقوق العباد . ونحوه قوله تعالى : * ( يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) * « 1 » . وفي الحديث : « إنّ أمّتي أمّة مرحومة » . والحاصل : أنّ اللَّه لم يضيّق عليكم أمر الدين ، فلن يكلَّفكم ما لا تطيقون ، بل كلَّف دون الوسع ، فلا عذر لأحد منكم في ترك الاستعداد للآخرة . وقوله : * ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ) * منصوب على المصدر بفعل مقدّر دلّ عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف ، أي : وسّع دينكم توسعة ملَّة أبيكم إبراهيم ، ثمّ حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . أو على الإغراء والاختصاص ، أي : أعني بالدين ملَّة أبيكم ، كقولك : الحمد للَّه الحميد . وإنّما جعله أباهم لأنّه أبو رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وهو كالأب لأمّته ، من حيث إنّه سبب لحياتهم الأبديّة ، ووجودهم على الوجه المعتدّ به في الآخرة أو لأنّ أكثر العرب كانوا من ذرّيّة إسماعيل ، وأكثر العجم من ولد إسحاق ، فغلَّبوا على غيرهم . * ( هُوَ ) * أي : اللَّه سبحانه * ( سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ) * من قبل القرآن في الكتب المتقدّمة * ( وفِي هذا ) * وفي القرآن ، أي : سمّاكم بهذا الاسم الأكرم في جميع كتبه المنزلة .
--> ( 1 ) البقرة : 185 .